نقفور: من بيزنطية إلى لبنان والمهجر

نقفور من بيزنطية إلى لبنان والمهجر
عندما كنت على مقاعد الدراسة منذ عشرات السنين، كان أحد المواقف المحرجة التي تواجهني في أول يوم دراسي من كل عام عندما يطلب أستاذ جديد مني ومن زملائي التلامذة التعريف عن أنفسهم. ومبعث الحرج أن إسم عائلتي (نقفور) كان يبدو غريباً وصعباً بالنسبة للبعض فأضطر لإعادة نطق إسم عائلتي عدة مرّات قبل أن تلتقطه أذن الأستاذ الجديد بشكله الصحيح. لكن هذا الإحراج كان يتحوّل إلى فخر واعتزاز إذا كان الأستاذ الجديد هو لمادة التاريخ الذي نادراً ما كنت أضطر لتكرار تلاوة إسم عائلتي له أكثر من مرة. وغالباً ما كان الأستاذ الجديد لمادة التاريخ يسألني: “هل تعرف أصل إسم عائلتك؟” حيث كنت أجيب دائماً بالنفي كي أسمع الجواب الذي يدغدغ مشاعر الفخر أمام زملائي والذي كنت قد سمعته من قبل: “أنتم من سلالة ملكية وجدّكم الأكبر كان إمبراطوراً بيزنطياً وواحداً من إثنين: الإمبراطور نقفور الأول أو الإمبراطور نقفور الثاني فوقاس أو فوكاس …” فتعلو البسمة وعلامات الفخر وجهي وأنا أنظر إلى وجوه زملائي

كلما سمعت ذلك من أستاذ التاريخ، كنت يومها أتساءل في قرارة نفسي: ما علاقة عائلة نقفور في قريتي ديرميماس الواقعة بقضاء مرجعيون في لبنان بأحد هذين الإمبراطورين وأين تقع بيزنطية التي لم تعد موجودة اليوم؟ كل ما كنت أعرفه أني لبناني عربي وأن البيزنطيون لم يكونوا عرباً… فما علاقتي بهم؟ لكنّي كنت أحتفظ بهذه الأسئلة والشكوك لنفسي لأن غروري الصبياني لم يكن يسمح لي بالتنازل عن أصلي الملكي الإمبراطوري المزعوم… لذلك كنت أضع هذه التساؤلات جانباً مكتفياً بالفخر أني لبناني عربي من أصل إمبراطوري بيزنطي رغم التناقض بين الإثنين

ومرّت الأيام… فأصبحت شاباً… ثم الآن رجلاً في منتصف العمر لكن في ريعان الشباب… ومع السنين إزداد فخري بإنتمائي اللبناني العربي ونسيت أصولي الإمبراطورية البيزنطية المزعومة انطلاقاً من قول الشاعر العربي ” لا تقل أصلي وفصلي أبداً… إنما أصل الفتى ما قد حصل.” إلى أن سألني أحدهم مؤخراً: إسمك الأول عربي لكن إسم عائلتك  وإن كان يبدو عربياً نظراً لوجود حرف “القاف” فيه لكنّه لغوياً غير عربي… فما أصل إسم عائلتكم؟ سؤال أعادني إلى أيام الدراسة واستعدت في ذاكرتي كشريط سينمائي ما كان يقوله أساتذة التاريخ عن أصول عائلتي. أجبته بما لديّ لكن تساؤلاتي وشكوكي القديمة عادت قويّة من جديد وشعرت بالفضول لمعرفة المزيد عن نقفور والإمبراطورية البيزنطية … ولحسن الحظ أصبحنا اليوم في عصر غوغل الذي يشفي غليل كل فضولي ومن لديه حب المعرفة والإطلاع

كان من البديهي أن أبدأ رحلة البحث بإدخال كلمة نقفور في نطاق بحث غوغل. وكان من المتوقع أن تأتي النتيجة الأولى على رأس صفحة البحث الأولى من موسوعة ويكيبيديا. قرأتها بعناية لكن بما أن ويكيبيديا ليست مرجعاً حاسماً، رأيت أن أغوص في بقية نتائج البحث التي كانت في معظمها غير إيجابية ولا تبعث على الفخر بأن يكون جدّي الأكبر واحداً من الإمبراطورين البيزنطيين. فالإثنان مكروهان من العرب والمسلمين: الإمبراطور نقفور الأول بسبب ما يُروى عن الرسالة المهينة التي بعثها إلى الخليفة المكرّم هارون الرشيد وردّ الخليفة القاسي عليه. أما الإمبراطور نقفور الثاني فوقاس أو فوكاس فهو الذي قام بغزو بلاد الشام وألحق فيها الكثير من الخراب والدمار كما يروي الكثير من المؤرخين… وهو الذي أرسل إلى الخليفة المطيع  قصيدة تهجمّية بحق العرب والمسلمين والتي عُرِفت بإسم القصيدة الأرمنية الملعونة

أنستني مشاغلي يومها التعمّق في أمر أصول عائلتي لكنّي تذكرت الأمر بعد حين وعدت للبحث والتفكير فيه كلّما سنح لي الوقت. فمقابل “لا تقل أصلي وفصلي أبداً… إنما أصل الفتى ما قد حصل” هناك أيضاً المثل الشعبي “من نكر أصله لا أصل له”. لكن كيف يمكن إثبات أن أصل عائلتي يعود إلى واحد من الإمبراطورين نقفور الأول أو الثاني قبل أكثر من 800 سنة؟ من المستحيل إثبات ذلك إلا من خلال دراسة علمية وراثية هي بدورها مستحيلة لأنها تتطلب الحصول على عيّنات جسدية من الإمبراطورين (وهي غير موجودة)  لمقارنتها مع عيّنات من عائلة نقفور الحالية. فما العمل لحلّ هذه المعضلة؟ فكان لا بد من حلّ بيني وبين نفسي

حلّ منطقي بسيط يقوم على ما يلي: لن أبحث عن المزيد للتأكد من نسب عائلتي إلى أحد الإمبراطورين البيزنطيين. فإذا كان هذا الأمر صحيحاً لن أفتخر به  (لا تقل أصلي وفصلي…) لكني لن أخجل منه (من نكر أصله …) بل يكفيني عندها فخراً أن عائلتي متجذرة في هذه البلاد منذ مئات السنين وبالتالي فإنها لبنانية عربية قبل تأسيس دولة لبنان الكبير بأكثر من 700 عام… وليس أدلّ على ذلك من الأسماء الأولى لأفراد عائلة نقفور وهي بمعظمها عربية بامتياز: نعمان، شاكر، أمين، نظير، فؤاد، جليلة، وداد، ناهية، غسان، مروان، سلام، نديم، نزار، هلا، لما، سلام، بسام، سامر، مكرم، فراس (تيّمناً بالشاعر العربي أو فراس الحمداني والذي من سخرية القدر أن يكون قد وقع في أسر الجيش البيزنطي أيام الإمبراطور نقفور الثاني فوقاس)، مالك، عمر (تيمّناً بالخليفة العادل عمر بن الخطاب)، باسم، هيفاء، وليد، زاهي،مايا ، أنور، ساري، ديما ……. وغيرها الكثير من الأسماء العربية لأفراد من عائلة نقفور

كذلك يحمل أفراد من العائلة أسماء مثل نقولا، جوزيف، بروس، ويليام، جايمس، مايكل أو مخايل، الياس، مريم، روبرت، سيمون، جون، باتريسيا وغيرها الكثير من الأسماء غير العربية. فعائلة نقفور وإن كانت من العائلات الصغيرة نسبياً في ديرميماس ولبنان، لكن ليس من المبالغة القول أنها منتشرة في أصقاع الأرض. فلقد هاجر أفراد منها إلى الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر وقد يكون عدد أفراد عائلة نقفور في المهجر أكثر من عددهم في لبنان وهم فاعلون في بلاد المهجر ويفخرون بانتمائهم إلى أوطانهم هناك كما يفخرون بأصولهم اللبنانية إذا كانوا يدركون ذلك. فهناك جيل ثالث من عائلة نقفور في المهجر لا يتكلمون العربية وقد لا يعرفون أصل عائلتهم. لكن بشكل عام فإن التواصل ما زال قائماً بين الكثير من أفراد عائلة نقفور في المهجر وبين عائلتنا هنا في لبنان ونحن نفتخر بهم وبنجاحاتهم

بعد هذه المقدمة لا بدّ أن يتساءل البعض ما الهدف من هذا الموقع على الإنترنت والجواب على ذلك في صفحة

About Us / Contact Us nicephorus.com نقفور

دير ميماس قرية عائلة نقفور