الإمبراطور نقفور الأول

ولد الإمبراطور نقفور الأول في سيلوكيا عام 760 ميلادي وتوفي في 26 تموز 811 ميلادي بعد أن اعتلى عرش الإمبراطورية البيزنطية  في 31 تشرين الأول من عام 802 ميلادي على مدى ما يقارب 9 سنوات. ويقول بعض المؤرخين أن نقفور الأول كان من أصول عربية لكن لا يوجد إجماع على ذلك

الإمبراطور نقفور الأولصعود نقفور الأول

قبل تولّيه العرش، تسببت سياسات الإمبراطورة إيريني بالكثير من المشاكل الداخلية في الإمبراطورية البيزنطية. فبسبب سعيها لإسترضاء الإكليروس والسلطات الكنسية، دعمت الإمبراطورة إيريني بشدة العودة إلى تقديس الصور والأيقونات الدينية بعد أن حارب من سبقها هذه الممارسات. كذلك انتهجت الإمبراطورة إيريني سياسات مالية متسامحة وخففت الضرائب على الشعب والكنيسة وألغت الكثير منها بطريقة غير مدروسة مما أفقر خزينة الدولة. لذلك ارتأى أصحاب القرار من كبار القوم في الإمبراطورية التخلص من إيريني وتعيين إمبراطور جديد مكانها لإعادة الأمور إلى نصابها. فوقع إختيارهم على نقفور نظراً لخبرته الإقتصادية ونجاحاته كوزير للمالية

الإمبراطور نقفور الأول يواجه التحديات

إن حل المشاكل التي خلفتها سياسات الإمبراطورة إيريني كان يتطلب القيام بإصلاحات صارمة جعلت من نقفور الأول إمبراطوراً غير شعبي ووضعته في مواجهة مع المؤسسة الكنسية. على الصعيد الديني، كان الإمبراطور نقفور الأول من معارضي تقديس الصور والأيقونات وعمل على محاربة هذه الظاهرة التي كان يرى فيها انحرافاً عن أصول الدين المسيحي. الأمر الذي أثار حفيظة المتشددين من رجال الدين الذين قابلوا هذا التوجه بعدائية شديدة. كذلك كان نقفور حريصاً على أن تكون سلطته كإمبراطور مطلقة وغير خاضعة للكنيسة مما زاد من نقمة رجال الدين عليه. وبهدف إعادة تغذية خزينة الدولة الهزيلة، كان لا بد للإمبراطور نقفور الأول من إلغاء كافة الإمتيازات المالية والإعفاءات الضريبية التي كانت الإمبراطورة إيريني قد منحتها للكنيسة والأوقاف الدينية. فأعاد العمل بها وقام بفرض ضرائب جديدة عليها. لكن إجراءات نقفور الأول الضريبية لم تقتصر على الكنيسة بل طالت التجار ورجال الأعمال وعامة الشعب. الأمر الذي جعله غير محبوب رغم صحة هذه الإجراءات من الناحية المالية. لكن نقفور الأول وإن كان يتميز بشخصية معتدلة ومنفتحة لا تميل لاستخدام العنف والقوة، إلا أنه كان عنيداً في تطبيق إصلاحاته

نقفور الأول و هارون الرشيد

لم يترك نقفور الأول باباً إلا وطرقه من أجل تغذية خزينة الدولة. فإضافة إلى الإصلاحات التي ذكرناها أعلاه، توجه في سعيه هذا نحو الخارج. وكانت الإمبراطورة إيريني قد وقّعت مع الخليفة هارون الرشيد على اتفاقية تدفع بموجبها نوعاً من الجزية التي كانت بنظر نقفور الأول مجحفة ويتوجب إلغاءها. فكتب إلى هارون الرشيد رسالته الشهيرة

 “من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البَيْدق ، فحملت إليك من أموالها، ما كنت حقيقًا بحمل أضعافه إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وأفتدِ نفسك بما يقع به المبادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.” انتهى

عندما  قرأ أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد رسالة الإمبراطور نقفور الأول استشاط غضباً  وقام بالرد برسالة تعتبر الأقصر والأقوى في تاريخ المراسلات الدولية قال فيها

 من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام.  ولقد جسدّت هذه الرسالة قول الشاعر أبو تمام أن السيف أصدق إنباء من الكتب… في حدّه الحدّ بين الجد واللعب… حيث شنّ الخليفة هارون الرشيد حملة عسكرية كبرى على الجيش البيزنطي بقيادة الإمبراطور نقفور الأول. وبعد معارك كرّ وفرّ تخللها بعض الخدع من قبل نقفور، انتصر الرشيد وفرض شروط المعاهدة من جديد. لكن العلاقة بين الإمبراطور نقفور الأول وأمير المؤمنين هارون الرشيد كانت أكثر تعقيداً من أن تُختَصَر بهذه الرسالة

الحرب مع البلغار

نادراً ما كانت العلاقة بين الروم والبلغار على ما يرام. ولقد بلغت هذه العلاقة ذروة العدائية في عهد ملك البلغار كرومن الذي كان في غاية الشراسة والبطش. وبلغت الجرأة بملك البلغار أن قام بنهب خزنة مليئة بالنقود الذهبية المخصصة لدفع رواتب الجنود البيزنطيين المرابطين على الحدود مع البلغار. وكان من الطبيعي أن يقوم الإمبراطور نقفور بالرد فوراً على هذا العمل العدائي. وبما أن خصمه هارون الرشيد كان قد توفي حينها، فلقد كان لدى نقفور عدد وافر من الجنود في متناوله لمقاتلة البلغار. فقام بشن حملة عسكرية لم تنجح في المرة الأولى نظراً لأن معنويات الجيش البيزنطي لم تكن في أفضل أحوالها يومذاك. لكن نقفور عاود الكرّة من جديد عام 811 ميلادي على رأس جيش جديد وفتي. ولما بلغت هذه الأخبار سمع الملك كرومن شعر بالخطر وعرض الصلح على نقفور الذي رفض. فلقد كان مصراً على إلحاق الهزيمة بالبلغار ودخل إلى الأراضي البلغارية وتمكن من احتلال أحد قصور ملك البلغار قرب الحدود واستولى على الكنوز والتحف التي كانت موجودة فيه. هذه الخسارة الفادحة أحبطت معنويات الملك كرومن فعرض الصلح على نقفور مقابل أي ثمن شريطة الاحتفاظ بالحكم. لكن نقفور لم يكن ليقبل من كرومن سوى الاستسلام والخضوع الكامل دون قيد أو شرط

 

مقتل نقفور الأول

بعد كرومن يحتفل بقتل الإمبراطور نقفور الأولما ذكرناه أعلاه والفارق في ميزان القوى الذي كان لصالح الروم … هنا المفاجأة! فلقد سقط الإمبراطور نقفور الأول قتيلاً على يد الملك كرومن. ويختلف المؤرخون على تفسير أسباب هزيمة نقفور والجيش البيزنطي على يد جيش البلغار الذين كانوا أقل عدة وعدداً. البعض يرجعون سبب الهزيمة إلى انعدام الخبرة العسكرية لدى نقفور وضعف معنويات الجيش البيزنطي. لكن العديد من المؤرخين الموضوعيين يرون أن السبب الرئيسي للهزيمة هو خيانة داخلية تعرض لها نقفور من بعض كبار القادة في جيشه. وهناك شواهد وروايات كثيرة عن ذلك لا مجال لذكرها الآن. لكن الأمر الذي لا يختلف عليه المؤرخون هو أن الإمبراطور نقفور الأول سقط قتيلاً على يد ملك البلغار كرومن. وتقول الروايات التاريخية أن كرومن صنع من جمجمة نقفور كأساً شرب فيه النبيذ احتفالاً بإنتصاره على خصمه اللدود

حكم التاريخ على نقفور الأول

من الطبيعي أن لا ينظر المؤرخون العرب للإمبراطور نقفور الأول بطريقة إيجابية. فالعداء بين الروم أو الإمبراطورية البيزنطية من جهة والعرب والمسلمين كان مستحكماً. ولقد سالت دماء غزيرة في الحروب التي دارت بين الطرفين على مدى قرون. كذلك فإن الرسالة الإستفزازية التي أرسلها نقفور إلى الخليفة هارون الرشيد وما نتج عنها قد لاقت استهجاناً واسعاً لدى العرب والمسلمين. لذلك من البديهي أن ينظر المؤرخون العرب إليه بسلبية شديدة. ولهذا السبب سنركّز هنا على نظرة المؤرخين الغربيين إلى الإمبراطور نقفور الأول

لم تخلو نظرة مؤرخي الغرب إلى نقفور الأول من بعض السلبية بسبب هزائمه العسكرية سواء مقابل العرب والمسلمين أو البلغار. لكن معظم المؤرخين الغربيين لا يعزون هذه الهزائم إلى سياسة عصر النفقات. فالإمبراطور نقفور لم يبخل بالإنفاق على الجيش، والهزائم كانت ناجمة عن عدم خبرته العسكرية

لكن الكثير من المؤرخين الغربيين يشهدون لنقفور بالكثير من الإنجازات والخصال الإيجابية. فهو لم يكن متزمتاً من الناحية الدينية وكان يؤمن بحق الفرد باعتناق العقيدة الدينية التي يرغبها شريطة أن لا تتناقض مع قوانين الإمبراطورية البيزنطية. كذلك فإن المؤامرات التي حيكت ضده لا تدل بالضرورة على مدى عدم رضى الشعب عليه. فالمؤامرات على الأباطرة كانت أمراً طبيعياً في التاريخ البيزنطي ولا علاقة لها بأعمال الإمبراطور ونظافة كفّه

يشهد الكثير من المؤرخين الغربيين للإمبراطور نقفور الأول تسامحه مع المتآمرين عليه. فهو كان يأمر بإنزال أحكام مخففة بحقهم بعكس معظم الأباطرة الذين سبقوه وخلفوه والذين كانوا ينزلون أقسى العقوبات الوحشية بحق خصومهم

إذاً وبصرف النظر عن إخفاقاته وخصاله السلبية، يشهد التاريخ للإمبراطور نقفور الأول أنه كان إنساناً منفتحاً ومتسامحاً دون أن يغفر له التاريخ أخطائه التي لا ينكرها أحد

References and Links

نقفور كتاب جورج فينلاي

Link to book