نقفور و الخليفة هارون الرشيد

بعكس ما يعتقد الكثيرون، فإن العلاقة بين الإمبراطور نقفور و الخليفة هارون الرشيد لم تكن كلها عداوة وحروب. صحيح أن أكثر ما يتداوله المؤرخون وعامة الناس هو الرسالة الشهيرة التي بعثها الإمبراطور نقفور الأول إلى الرشيد ورد الخليفة نقفور و الخليفة هارون الرشيدالحازم عليه والحروب بين العرب والروم التي نجمت عن تلك الرسالة… لكن هناك رسالة أخرى أرسلها نقفور إلى الخليفة هارون الرشيد قلّ أن يذكرها المؤرخون

رسالة نقفور الثانية

كانت الحملة العسكرية  الثانية التي شنّها الرشيد على نقفور وفتح هرقلة مناسبة أخرى تجلّت فيها العظمة المتواضعة والشعور الفروسي عند أمير المؤمنين. يقول الطبري: كتب نقفور إلى الرشيد عن جارية من سبي هرقلة، رسالة هذا نصها: لعبدالله هارون، أمير المؤمنين، من نقفور ملك الروم. سلام عليكم. أما بعد، أيها الملك إن لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة. أن تهب لإبني جارية من بنات أهل هرقلة، كنت قد خطبتها على إبني. فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شهامة هارون الرشيد

أمر الرشيد بطلب الجارية فأُحضِرت وزُيِّنت وأُجلست على سرير في مضربه الذي كان ينزل فيه يومذاك. وأمر الرشيد بتسليم الجارية والمضرب بما كان يحويه من كل غالٍ ونفيس، إلى رسول نقفور. فأمام موقف الشهامة هذا، ورغبة الخليفة بالإستجابة لكل من كان يطلب منه المساعدة، وضع الخليفة الرشيد جانباً عداوته مع الإمبراطور نقفور ونسي حقده وغضبه وتحدّيه نتيجة للرسالة الأولى التي أرسلها نقفور وما نتج عنها من حروب… واستجاب لطلب نقفور بطريقة راقية نابعة من كرم أخلاقه. وقد تكون هذه الرسالة والإستجابة لها من أنصع المحكات في الغلاقة بين نقفور و الخليفة هارون الرشيد

حنكة نقفور

لا بد من الإشارة هنا إلى أن رسالة نقفور هذه إلى الرشيد تختلف كلياً عن رسالته الأولى ليس فقط من حيث المضمون بل من حيث الأسلوب وهو الأهم . إنها رسالة تدل على فهم عميق لشخصية وأخلاق الخليفة التي تمتاز بالشهامة وكبر القلب والكرم وحب العطاء. وقد أثبت نقفور أنه يتمتع بروح عملية ومرونة في التعاطي والتعامل مع الواقع. فهو تقبّل الهزيمة وطلب الصلح ودفع الجزية وأرسل الهدايا إلى الرشيد وتمكّن من إطلاق سراح خطيبة ابنه بحسن الخطاب واللباقة. فهو حين قلّل قيمة طلبه، ضرب على وتر النخوة عند الرشيد. وحين لم يلحّ نقفور على الرشيد بطلبه بل ترك له التقدير النهائي، كانت تلك رسالة موجهة لما اشتهر به الرشيد من كرم وعطاء حيث عرف عنه أنه لا يرد طلب المساعدة من أي إنسان، صغر أم كبر. فإذا لاحظنا الإبتداء بالسلام والانتهاء به في رسالة نقفور الثانية، عرفنا كم كان نقفور محنّكاً في هذه المراسلة السياسية. ولعل هذا المستوى من المراسلات يعطينا سبباً خفياً، إنما وجيهاً، لاقتناع الخليفة  الرشيد بعدم حصار هرقلة في الحملة الأولى وعدم متابعة الزحف على القسطنطينية في الحملة الثانية

تبادل الهدايا بين الإمبراطور نقفور و الخليفة هارون الرشيد

في كتابه عن العرب والروم، يذكر المؤرخ فازيليف الواقع التاريخي للعلاقات العربية – الرومية، فيلاحظ رغم هذه الحروب المتصلة، أن علاقة العرب الشرقيين والروم، فيما عدا الحرب، لم تتميز قط بصفة الخصومة، بل كانت أقرب إلى التودد ومن مظاهر التودد. فإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، كان هناك تبادل للهدايا بين الإمبراطور نقفور و الخليفة هارون الرشيد، إثر حرب هرقلة. وفي المجلد الثامن صفحة 321 من تاريخ الطبري، يذكر أن الإمبراطور نقفور أهدى إلى الخليفة الرشيد طيباً وسرادقاً من سرادقته، وأن الرشيد بعث إلى نقفور  مع موفد خاص العطر و التمور والزبيب والترياق. فأرسل نقفور  إلى الرشيد مع موفده دراهم إسلامية على برذون كميت كان مبلغه خمسين ألف درهم، و 300 ثوب ديباج وبزيون وإثني عشر بازياً، وأربعة كلاب الصيد، وثلاثين براذين…. وغيرها

حوار ثقافي وتبادل أسرى

كان للوفود المتبادلة بين العرب والروم آنذاك وجهاً ثقافياً تجلى بما كان يرافقها من أعلام الشعر أو الأدب أو الفقه بهدف الرد على حجج الخصوم أو مفاخرتهم بإبراز ما ما وصل إليه النتاج الثقافي في بلادهم. من هنا إشارة المسعودي العابرة، في حديثه عن فتح هرقلة، إلى يحيى بن الشفير الذي أرسله الرشيد إلى نقفور. أما عمليات تبادل الأسرى بين الطرفين والتي كانت تسمى “الأفدية”، فإنها كانت تتم في فترات متباعدة، ويكون ذلك عادة في ظل هدنة طويلة لم يتخللها خروقات كبرى. وكانت هذه “الأفدية” تشكل مناسبة بالغة الأهمية في حياة الثغور يكون لها احتفال مهيب ويحضرها جموع غفيرة من كلا الطرفين ومن كافة المستويات الشعبية والرسمية والعسكرية والعلمية والأدبية. هذا ولقد شهدت خلافة هارون الرشيد ثلاثة “أفدية” أو عمليات تبادل أسرى بين العرب والروم

أردنا مما ذكرناه أعلاه أن نشير إلى ما يعرفه القلة: إن العلاقة بين العرب والروم في عصر الإمبراطور نقفور و الخليفة هارون الرشيد شهدت محطات إنسانية وحضارية مضيئة وليس فقط معارك وحروب ضارية بين الطرفين

References

موسوعة هارون الرشيد، تأليف الدكتور سعدي ضناوي، دار صادرـ بيروت، 2001 م