الإمبراطور نقفور الثاني فوكاس

إن الفراغ الذي نتج عن وفاة الإمبراطور رومانوس الثاني هو الذي أتاح للقائد نقفور الثاني فوكاس فرصة الوصول إلى العرش. هو لم يكن فراغاً كاملاً. فالسلطة انتقلت إلى أرملة الإمبراطور ثيوفانو وحاكم الظل برينجاس. لكن بما أن ولديْ رومانوس كانا دون السن القانونية لتولّي العرش، بقيت بيزنطية دون إمبراطور فعلي رغم وجود وليين للعهد الإمبراطوري

لمع نجم عائلة فوكاس في السنوات القليلة التي سبقت وفاة الإمبراطور رومانوس بفضل الانتصارات العسكرية التي حققها كل من نقفور الثاني فوكاس وشقيقه ليو. لكن إنجازات عائلة فوكاس كانت ضاربة في التاريخ البيزنطي. فالعائلة التي تعود أصولها إلى منطقة كابادوكيا كانت معروفة منذ أيام الإمبراطور باسيل الأول بفضل الإنتصارات التي حققها جدّ نقفور فوكاس في إيطاليا وصقلية

ومنذ ذلك الوقت كان لعائلة فوكاس بصمتها في التاريخ العسكري البيزنطي. فلقد لمع إسم باراداس فوكاس والد نقفور نتيجة للانتصارات التي حققها في آسيا الصغرى. كما لمع إسم ليو فوكاس عمّ نقفور نتيجة للانتصارات التي حققها ضد البلغار. لذلك كان من الطبيعي أن يلمع إسم نقفور فوكاس خاصة بعد حصاره لشاندكس عندما كان القائد الأعلى لجيش الشرق زمن الإمبراطور قسطنطين السابع

ولد الإمبراطور نقفور الثاني فوكاس عام ٩١٣ ميلادي تقريباً وكان في عمر يقارب الخمسين عند وفاة الإمبراطور رومانوس الثاني. اجتمع في شخص نقفور طبيعتان متناقضتان: طبيعة عسكرية وأخرى رهبانية تنسّكية. فبعد أن فقد زوجته وإبنه الوحيد  في فترة قريبة قبل عام ٩٦٣ ميلادي كان يفكر جدياً بالإنضمام إلى صديقه الراهب أثناسيوس في دير لافرا للتنسك والعبادة هناك. هذا الدير الذي تبرّع نقفور بمبلغ سخي من المال لتأسيسه والذي خصص أثناسيوس فيه صومعة لنقفور كي يتنسّك فيها

نقفور الثانيشخصية نقفور الثاني فوكاس

كان نقفور صاحب شخصية حديدية. روحاني إلى أقصى الحدود لكنه تتنازعه عواطف جياشة. كرّس نفسه لجيشه وفي نفس الوقت كرّس نفسه للتعبّد والصلاة ونكران الذات. قيل أنه كان عنيداً لا ينكسر، عادلاً إلى حد القسوة، متديّناً لدرجة تقارب التزمّت. ويقال أيضاً أنه كان مقتصداً لحدّ يقارب البخل. لكن بالرغم من نواقصه، إلا أن خصاله الحميدة جعلته موضع إعجاب واحترام عميقيْن. لكنه كان أيضاً مصدر خوف للعديد خاصة لبرينغاس نتيجة للشهرة الكاسحة التي حازها بعد انتصاراته العسكرية خاصة في معركة كريت. اندفع بعدها نقفور على رأس جيشه نحو سوريا وصولاً إلى حلب، لكنه اضطر للتوقف عندما وصلته أنباء وفاة الإمبراطور رومانوس

الصراع على الحكم

أدّت وفاة الإمبراطور رومانوس إلى أزمة حكم في القسطنطينية. فلقد كان من الطبيعي أن تطمح أرملته ثيوفانو (التي كانت في العشرين من العمر) للاحتفاظ بالحكم كوصيّة على العرش كما أوصى زوجها الراحل. لكن برينغاس كان لديه أفكار أخرى. فلقد كان يسعى مع أتباعه للإمساك بالسلطة عند أول فرصة سانحة. لذلك، وبالرغم من دعمه لنقفور في حملة كريت، إلا أن شعبية نقفور المحلّقة كانت تخيفه فعمل على إبعاد نقفور وسارع لإعادته إلى آسيا الصغرى. لكن ذلك لم يمنع نقفور الثاني ودون علم برينغاس من الإطلاع الدائم على مجريات الأمور في القسطنطينية من خلال التواصل مع ثيوفانو

  نقفور في شباك ثيوفانو

كانت ثيوفانو امرأة حادة الذكاء وقادرة على إغراء أصلب الرجال. لذلك رأت أنه بعد وفاة زوجها الإمبراطور رومانوس، وبوجود برينغاس المتعطش للسلطة، كان لا بدّ لها من الحصول على حماية رجل قوي. رجل يحفظ لها مصالحها ومصالح ولديْها ورثة العرش. ومن كان أفضل من نقفور فوكاس، البطل العسكري وجالب النصر للامبراطورية البيزنطية بعد حقبة من الهزائم؟ لذلك، وعندما عاد نقفور إلى القسطنطينية بعد وفاة رومانوس، عمِلت ثيوفانو على إغراء نقفور وإيقاعه في شباكها. لم يكن ذلك بالأمر السهل لأن نقفور بعد وفاة زوجته وإبنه كان قد أقسم على العفة. لكن ثيوفانو الذكية كانت تعرف قدراتها وتمكّنت من استمالة نقفور وزرعت في نفسه بذور الغرام لتحقيق هدفها. الأمر الذي رصده برينغاس فازداد خوفه من نقفور

 نقفور يحمي ثيوفانو

تم احترام رغبة الإمبراطور الراحل رومانوس كما عبّر عنها في وصيّته. فلقد قام البطريرك بوليوكتس بإعلان ثيوفانو وصية على العرش. كما تم تعيين برينغاس وزيراً مساعداً لها. لكن فور حصول ذلك، قامت ثيوفانو بالإتصال سراً بنقفور الذي كان قد وصل إلى القسطنطينية في شهر نيسان. كان الهدف المعلن لعودته إلى القسطنطينية هو استلام مكافأته عل انتصاراته. لكن الهدف الحقيقي من زيارته كان أن يبرهن لبرينغاس مدى قوته وشعبيته. الأمر الذي كان يدركه برينغاس الذي كان دائم القلق من سطوة نقفور. لذلك سعى برينغاس مستخدماً نفوذه لمنع نقفور من دخول القسطنطينية لا بل معاقبته بإطفاء عينيه. لكن محاولاته فشلت نظراً لشعبية نقفور والدعم الخفي له من ثيوفانو

نقفور يدخل القسطنطينية بطلاً مكرّماً

استقبل أهالي القسطنطينية نقفور جالب النصر بحفاوة بالغة قلّ أن حظيَ بها قائد عسكري بيزنطي من قبل. وكان حفل استقباله مهيباً مما زاد من شعبيته. لكن بما أنه لم يكن محاطاً بجنوده الذين بقوا على الجبهة، فلقد شعر بالخطر والتجأ إلى كنيسة آيا صوفيا. هناك حصل على دعم وحماية البطريرك ورجال الدين الذين كانوا يقدّرون تقواه وعلاقاته القوية مع الرهبان وخدماته الجلّى لبيزنطية. ورغماً عن أنف برينغاس، قام مجلس الشيوخ بطلب من البطريرك بوليوكتس بتثبيت سلطة ومكانة نقفور. وفي مقابل ذلك، أقسم نقفور على الحفاظ على حق أولياء العهد (أبناء الإمبراطور الراحل رومانوس) بتولّي العرش عند بلوغ أكبرهم السن القانوني. وبعد أن اطمأن نقفور إلى وضعه القوي في القسطنطينية عاد إلى الجبهة حائزاً على بركة البطريرك الذي لم يكن يدري كيف ستنقلب علاقته مع نقفور مستقبلاً

برينغاس يتآمر على نقفور

لم يكن برينغاس من النوع الذي يرضخ بسهولة. فلقد كان يطلب رأس نقفور بحضوره وغيابه. لذلك سعى لتدبير مكيدة جديدة ضده لكنها كانت تفتقر للحنكة لا بل كانت على شيء من الغباء. فلقد عرض برينغاس على إثنين من القادة الكبار لدى نقفور وهما كوركواس وتزيمسكس أن ينقلبا على قائدهم مقابل عروض سخية. فما كان من هذين القائدين سوى إطلاع نقفور على مؤامرة برينغاس. وقاما باستغلال ذلك لتحريض نقفور على الزحف إلى القسطنطينية للإستيلاء على العرش ووضع حد نهائي لمؤامرات برينغاس

نقفور الثاني يُتوّج إمبراطوراً

في ٣ تموز من عام ٩٦٣ ميلادي، وبتحريض من القائدين يوحنا تزيمسكس وكوركواس، أعلن الجيش البيزنطي نقفور فوقاس إمبراطوراً. وفي اليوم التالي قام الجيش بمواكبته إلى كنيسة آيا صوفيا بهدف تنصيبه على العرش. وما أن وصلت أنباء هذه التحركات إلى القسطنطينية حتى بدأت بوادر الثورة بالظهور. فلقد كان لبرينغاس عدد لا بأس به من الأنصار الذين تجمعوا تحت قيادته للدفاع عن أنفسهم. ولقد تمكّن هؤلاء من أسر والد نقفور وأخيه الأمر الذي أجبر نقفور على التروي في خطواته التالية. وبعد ثلاثة أيام من القتال العنيف الذي صبغ شوارع القسطنطينية بالدم، انهزم برينغاس وأنصاره وقام البطريرك بوليكتوس بإنقاذ حياة والد نقفور. في ١٤ آب من عام ٩٦٣ ميلادي دخل نقفور إلى القسطنطينية ليتم تتويجه بعد يومين إمبراطوراً ووصياً على ولي العهد

نقفور يُحكم سيطرته

بعد أن أصبح سيّد القصر ومدينة القسطنطينية، سارع نقفور إلى السيطرة على مفاصل الحياة السياسية والعسكرية والإقتصادية في الإمبراطورية من خلال تعيين أشخاص موالين له في مراكز السلطة والقرار. فلقد منح والده لقب قيصر. أما أخوه ليو فلقد أعطاه منصب ماجيستر و كيوروبالاتس وهما من المناصب الراقية في ذلك الزمن. وكان من الطبيعي أن يتبوأ يوحنا تزيمسكس مناصب رفيعة مكافأة له على دعم نقفور وكشف مؤامرة برينغاس ضده. فلقد تبوّأ تزيمسكس كافة المناصب العسكرية التي كان نقفور على رأسها وبذلك أصبح القائد العسكري الأبرز بعد الإمبراطور. أما باسيل الذي كان له دور بارز في القضاء على ثورة برينغاس فلقد كان من نصيبه منصب رئيس مجلس الشيوخ. وكان من البديهي أن يقوم نقفور بعزل برينغاس عن أي منصب. فلقد تم نفيه وعزله في دير بعيداً عن القسطنطينية حيث توفي عام ٩٧١ ميلادي

نقفور يتزوج ثيوفانو

بعد أن أحكم سيطرته على الإمبراطورية، وضع نقفور نصب عينيه أن يتزوج من ثيوفانو لدوافع شخصية وسياسية. لكنه انتظر حوالي ستة أشهر بعد وفاة الإمبراطور رومانوس لتنفيذ ذلك كي يتيح بعض الوقت للكنيسة والشعب لاستيعاب هذا الزواج الذي لم يكن محبذاً لعدة أسباب

وكما كان متوقعاً، أدى زواج نقفور من ثيوفانو في ٢٠ أيلول إلى سخط لدى الكنيسة ورجال الدين. حتى صديقه الراهب أثناسيوس غضب عليه. أما البطريرك بوليوكتس فلقد شعر پأن نقفور قد خدعه فحرم نقفور من المناولة في الكنيسة لمدة سنة. فلقد كان مستهجناً بالنسبة للبطريرك أن يقوم رجل في سن الخمسين كان قد أقسم على العفة بالزواج من امرأة في العشرينات من عمرها كانت الكنيسة تنظر إليها بالكثير من الشك بسبب مل يروى عن دهائها وفسادها

الصراع بين نقفور الثاني والإكليروس

لقد أدى هذا الزواج إلى مرحلة من العداء بين نقفور والكنيسة لم تنتهِ فعلاً إلّا بوفاة نقفور. وما زاد من حماوة الصراع بين الطرفين ما قيل نقلاً عن الكاهن ستيليانوس أن زواج نقفور من ثيوفانو كان باطلاً لأن نقفور هو عرّاب (بالمعمودية) لأحد أبناء ثيوفانو مما يجعل زواجه منها محرم كنسياً. وبغضّ النظر عن صحة هذه الرواية، إلا أنها أثارت غضب البطريرك الذي طلب من نقفور الإنفصال عن ثيوفانو ونكرانها تحت طائلة إلقاء الحرم الكنسي عليه. لكن هذا الثنائي لم يرضخ للبطريرك وضغوطات رجال الدين. فلقد قاما بعقد مجمع أو مجلس ملّي مصغر نصفه من رجال الدين ونصفه من كبار القوم للنظر بالقضية. ولقد أصدر هذا المجلس قراراً لمصلحة نقفور وثيوفانو قالوا فيه أن القانون الكنسي الذي اعتمد عليه البطريرك في قراره هو قانون باطل لأن من أصدره كان البطريرك قسطنطين كوبرونيموس والتي كانت الكنيسة تعتبره مهرطقاً. ولدعم موقف نقفور تقدم الكاهن ستيليانوس وأعلن أن نقفور لم يكن عرّاباً لأي من أبناء ثيوفانو وأنه لم يصرح بذلك في يوم من الأيام وأن ما نقل عنه عارٍ من الصحة

الإمبراطور نقفور يقلّم أظافر الإكليروس

فيما يبدو أنه كان انتقاماً لمعارضة البطريرك بوليكتوس والكنيسة لزواج نقفور من ثيوفانو، قام نقفور بنشر وثيقة اعتبرت يومها ثورة على الإكليروس والرهبان. لقد رأى نقفور أن الرهبان قد انغمسوا في الحياة الدنيوية التي كان من المفترض بهم الترفع عنها. لذلك منع بناء أديرة ورهبانيات جديدة وتوسيع الأديرة القائمة فمنع التبرع لها. لكن الإنتقام لم يكن الدافع الوحيد لقيام نقفور بهذه الإجراءات. فلقد كان يهدف أيضاً لتحويل جزء كبير من أموال الأديرة لتمويل حملاته العسكرية وتحسين الوضع المالي لجنوده الذين كانوا يضحون لمجد الإمبراطورية

كما أصدر نقفور مرسوماً يقضي بعدم السماح للبطريرك بتعيين أساقفة جدد دون موافقته كي يضمن ولاء رجال الدين له وعدم معارضتهم لسياساته.  كذلك حاول نقفور تنفيذ قرار يقضي بتكريم الجنود الذين يسقطون في القتال دفاعاً عن العقيدة واعتبارهم شهداء. لكن هذا القرار جوبه بمعارضة عارمة من الكتيسة الأمر الذي دفع نقفور للتراجع عنه

نقفور الثاني يفقد شعبيته

أثارت سياسات نقفور الداخلية السخط لدى مختلف شرائح المجتمع البيزنطي. إضافة إلى خلافاته مع الكنيسة التي سبق ذكرها أعلاه، فلقد أثارت سياساته المالية غضباً شعبياً عارماً نظراً لتحويل الجزء الأكبر من موازنة الإمبراطورية إلى المجهود الحربي لتمويل حملاته العسكرية المتتالية. كذلك كانت الدولة تحتكر الكثير من المواد الأولية الاستهلاكية كالذرة والزيت والخمر مما أدى إلى زيادة الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة على عامة الشعب الذي بدأ بالتململ. حتى أنه تعرض للرجم بالحجارة من قبل حشد من الناس في قلب القسطنطينية أثناء عودته إلى القصر من إحدى  المناسبات. ولو لم يقم حارسه الشخصي بحمايته بجسده لكان نقفور قتل في تلك الحادثة. وبدلاً من أن يقوم نقفور بإعادة النظر في سياساته للتخفيف من غضب الشعب، انكفأ إلى قصره وبنى سوراً عالياً وحصيناً حول كامل القصر. كما بنى حصناً صغيراً له ضمن خراج القصر. لكن كل هذه الإجراءات لم تحمِ نقفور من مصيره المحتوم

مصرع الإمبراطور نقفور الثاني فوكاس اغتيالاً

بعد ازدياد النقمة الشعبية على نقفور كثرت المؤامرات عليه. لكن المؤامرة التي قضت عليه هي التي حاكتها زوجته ثيوفانو. فلقد تمكّنت ثيوفانو من إيقاع قريبه القائد يوحنا تزيمسكس في غرامها رغم أن بعض الروايات تقول أنها بدورها قد وقعت في حب تزيمسكس. وكان نقفور في هذه الأثناء قد غيّر معاملته لتزيمسكس وقام بإبعاده عن القسطنطينية والحد من صلاحياته. ولما كانت ثيوفانو تشك بأن نقفور لن يسلم العرش لإبنها القاصر حين بلوغه السن، تقاطعت مصلحتها مع غضب يوحنا تزيمسكس وخططا معاً لقتل نقفور. فقامت ثيوفانو بتسهيل دخول تزيمسكس والقتلة إلى غرفة نومه وقاموا بقتله بطريقة شنيعة تقشعّر لها الأبدان

Links and references

Link to book